السيد محمد تقي المدرسي
158
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
الزمان والمكان عرضان ذاتيان ( للنفس البشرية ) أهي المعرفة أم هي الجهالة ( فهل عرف هذه الحقيقة بالعلم أم بالجهل ) ان ( كانت ) لا يتردد في القول بأنه اكتشف بصورة جازمة ، طبيعة الزمان والمكان وهذا يعني انه عالم بحقيقة الزمان والمكان . وهذا يعني - بدوره - ان ل - ( كانت ) كإنسان ، نوراً كاشفاً ، يستطيع ان يسلطه على نفسه ، ويكشف فيها ، حقيقة الزمان والمكان . ونحن إذا عرفنا هذه الحقيقة ، وهي وجود نور في النفس يكشف الحقائق ، ورأينا أنفسنا نملك اشدّ القناعات بنتائج هذا النور ، نعلم بأن البشر قادر على كشف الأشياء . ومقدار مايكتشف منها يكون واضحاً امامه ، وذات قيمة تامّة لديه ، وهذا ذات ما استهدفنا بالمذهب العقلي ، وهو ينطوي على ردّ النسبية الذاتية « 1 » . ان الفلسفة - عموماً - تعتمد على التأمل الذاتي ، وانما - بالتأمل - يريد ( كانت ) ان يثبت نظريته ، وبهذا التأمل نستطيع جميعاً ان نميز بين الزمان والمكان ، واستحالة التناقض ، واستحالة وجود الشيء ، بلا سبب ، وسائر الحقائق الأولية التي يعرفها العقل بصورة أولية ، وبين الأشياء المطلقة التي تجري عليها هذه الحقائق وحسب تعبير ( كانت ) ، تتقولب بها . بتعبير آخر كما أن العقل يعرف الزمان والمكان كذلك وبذات الوضوح يعرف ان هذين الامرين هما من حقائق الوجود ، وليسا من حقائق النفس التي تضفيها على الوجود . كذلك التاملات الأخلاقية ، فالنية الحسنة ، انما شهدناها بالوجدان . ولكن هناك حقائق أخرى أخلاقية هي الأخرى شهدناها بالوجدان ايضاً . مثلًا الصدق والأمانة ، واحترام حقوق الآخرين . وهذا الوجدان أقوى حجة وأبلغ دليل ، ولا فرق - عندما يشهد الوجدان بشيء - بين ان يكون ذلك الشيء صغيراً أو كبيراً فرعاً أو اصلًا . والذي غاب عن ( كانت ) ان هذا الوجدان ليس نهاية المطاف إذ يمكن ان يقول أحد ما الذي يدعوني إلى اتّباعه ؟ ! بل الوجدان بدوره من ومضات العقل البشري الذي يضيء رحاب النفس ، وإذا تأملنا - عميقاً - وجدنا هذا العقل هو في كل موقع شاهد
--> ( 1 ) - الفكر الاسلامي مواجهة حضارية ص 110 - 111 . .